تحليلات

الارتزاق المعاصر في افريقيا: الحالة السودانية وتداعياتها الإقليمية

 إعداد: د. ميسون أحمد عبد العزيز ميرغني


ملخص:

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة يتداخل فيها العنف الرسمي مع شبكات مرتزقة وتمويل عابر للحدود، ما أضعف احتكار الدولة للقوة وأربك مفهوم السيادة. ومع اتساع اقتصاد الحرب وتدفق السلاح والمقاتلين، تجاوزت التداعيات الإطار الوطني لتطال دول الجوار وتؤثر في توازنات البحر الأحمر كممر استراتيجي حيوي. ترى هذه الورقة أن خصخصة العنف لا تعمق الأزمة الداخلية فحسب، بل تدفع نحو تدويل النزاع، بما يجعل أي تسوية رهينة لحسابات إقليمية ودولية تتجاوز الإرادة الوطنية.

مقدمة:

لم تعد ظاهرة الارتزاق في افريقيا مجرد قضية تاريخية مرتبطة بمرحلة ما بعد الاستقلال، ولا مجرد ظاهرة هامشية في نزاعات محدودة. فالحرب السودانية التي اندلعت في ابريل 2023م تكشف تحولاً عميقاً في طبيعة النزاعات، حيث لم تعد الحرب شأناً محلياً داخلياً فحسب، بل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه شبكات تمويل عابره للحدود، ومقاتلون أجانب ومصالح إقليمية ودولية متشابكة.

تقارير إعلامية دولية كشفت عن مشاركة مقاتلين من أمريكا اللاتينية وافريقيا في النزاع السوداني، ما يطرح أسئلة تتجاوز البُعد الميداني المباشر. إذ يشير هذا إلى تحول في بنية الحرب نفسها: هل نحن أمام عودة للمرتزقة التقليديين، أم أمام نمط جديد من ” خصخصة العنف ” مرتبط باقتصاد حرب معلوم؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الحالة السودانية تعكس تحولاً أوسع في النزاعات الافريقية المعاصرة، حيث يتراجع احتكار الدولة للعنف وتتوسع مساحة الفاعلين العابرة للحدود. لذا ستركز الدراسة على تحليل الظاهرة من منظور الاقتصاد السياسي للحرب، البنية الأمنية الإقليمية للقرن الافريقي والبحر الأحمر، والأبعاد القانونية والسيادية المرتبطة بالارتزاق.

المنهجية

تعتمد هذه الدراسة على مقاربة تحليلية نوعية تنطلق من إطار الاقتصاد السياسي للحرب ونظريات خصخصة العنف، مع توظيف مفاهيم الأمن الإقليمي لفهم تفاعلات النزاع السوداني في مستوياته المختلفة. وتتعامل الورقة مع الحالة السودانية بوصفها دراسة حالة معاصرة، يجرى تحليلها من خلال مراجعة الأدبيات النظرية ذات الصلة، إضافة إلى تقارير دولية وإقليمية ومواد صحفية موثقة تناولت تطورات الصراع منذ ابريل 2023م.

ولا تهدف الدراسة إلى تقديم بيانات ميدانية أصلية، بقدر ما تسعى إلى تفكيك الأنماط البنيوية التي تحكم تحولات العنف من نمط محلى إلى شبكات عابرة للحدود، وذلك عبر قراءة تفسيرية تربط بين المعطيات الواقعية والإطار النظري. ومن ثم، فإن التحليل يقوم على المقارنة المفاهيمية بين التعريفات القانونية للارتزاق، والتحولات العملية التي يشهدها النزاع، من أجل استخلاص دلالات أوسع تتعلق بإعادة تعريف السيادة والأمن في السياق الافريقي.

الإطار النظري: من المرتزقة التقليدية إلى الشبكات العابرة للقارات

  1. المفهوم القانوني للمرتزق

عرف القانون الدولي المرتزق لأول مرة في البروتكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف للعام 1977م، ثم أكدته الاتفاقية الدولية للمرتزقة عام 1989م، بوصفة شخصاً يشارك مباشرة في الاعمال العدائية بدافع تحقيق مكاسب شخصية، دون انتماء رسمي لأي من أطراف النزاع. يهدف هذا التعريف إلى تمييز المرتزق عن الجنود النظاميين وأفراد القوات المسلحة التابعة للدولة، وضمان أن تُطبق قواعد القانون الدولي بصرامة على هؤلاء الأفراد) [i](.

لكن الواقع العملي يطرح تحديات كبيرة أمام هذا التعريف. فإثبات الدافع الشخصي للمرتزق ليس مهمة بسيطة، خصوصاً عندما تتداخل المصالح المالية مع الأهداف السياسية أو الايدولوجية. كما أن الحدود بين المرتزق والمتعاقد الأمني أو المقاتل الأجنبي أصبحت ضبابية بشكل متزايد، خاصة مع صعود ما يمكن وصفه ب ” المرتزقة العصريين” الذين يعملون ضمن شبكات مالية ولوجستية معقدة. هؤلاء الأفراد غالباً ما يكونوا جزءاً من منظومة كبيرة تشمل شركات صغيرة، وسطاء، شبكات تمويل عابرة للحدود، تجعل من الصعب تصنيفهم وفق التعريف التقليدي)[ii]( .

في السودان يظهر هذا التعقيد بوضوح. فالمقاتلون الأجانب الذين شاركوا في الحرب منذ ابريل 2023م لم يكونوا مجرد عناصر قتالية مستقلة، بل كانوا مرتبطين بسلاسل تمويلية وتجهيزات لوجستية، ما يجعل تقييم دورهم من الناحية القانونية معقداً ويطرح تساؤلات حول مدى كفاءة الأطر القانونية الدولية الحالية في مواجهة هذه الظاهرة.

  1. الاقتصاد السياسي للحرب

يركز التحليل السياسي للحرب على البُعد الاقتصادي للحروب مؤكداً أن الحروب الحديثة غالباً ما تستمر ليس بسبب المظالم السياسية فحسب، بل لأنها أصبحت نشاطاً اقتصادياً قائماً بذاته. يشير Paul Collier إلى أن الحرب الاهلية المعاصرة تتغذى على نفسها، حيث تتحول الموارد الطبيعية والتهريب والأسواق غير الرسمية إلى محرك رئيسي لاستمرار العنف)[iii](.

في السياق السوداني يمكن فهم استقطاب المقاتلين الأجانب من خلال هذا المنظور. فالحرب لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أصبحت سوقاً تتداول فيه الموارد المالية، خاصة الذهب والسلع المهربة، وكذلك النفوذ في مناطق سيطرة معينة. وبالتالي يصبح توظيف المرتزقة وسيلة لضمان استمرار هذه الدورة الاقتصادية. المقاتل الأجنبي هنا ليس مجرد أداة قتالية، بل استثمار اقتصادي ضمن منظومة الحرب نفسها، إذ يسهم في تعزيز قدرة أطراف النزاع على السيطرة على الموارد والممرات التجارية غير الرسمية.

هذا التحليل يكشف كيف أن الحرب المعاصرة لم تعد مجرد صراع على السلطة أو الهوية، بل أصبحت بيئة اقتصادية كاملة، حيث يتنافس الفاعلون المحليون والدوليون على الموارد والعائدات المالية المرتبطة بالنزاع.

  1. المجتمعات الأمنية الإقليمية

تساعد نظرية المجتمعات الأمنية الإقليمية، التي صاغها Barry Buzan وOle Waever([iv])، على فهم كيف يمكن للتهديدات أن تنتقل عبر الحدود، داخل أقاليم مرتبطة أمنياً. في هذه النظرية يُنظر إلى الأمن الوطني كجزء من نظام أوسع يضم الدول المجاورة، حيث تؤثر أي أزمة في دولة علي استقرار المنطقة بأكملها.

السودان مثال واضح على ذلك. فالأزمة السودانية لم تعد مجرد قضية داخلية، إذ تتشابك مصالحة الأمنية مع الأمن الإقليمي للقرن الافريقي والبحر الأحمر. دخول عناصر قتالية أجنبية إلى النزاع لا يمثل تهديداً للسودان فحسب، بل يحمل تداعيات على الدول المجاورة، وعلى الملاحة البحرية والتجارة الدولية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدى انتشار المرتزقة وخبراتهم القتالية إلى تعزيز قدرات مجموعات مسلحة أخرى في المنطقة، ما يزيد من تعقيد المعادلات الأمنية.

  1. خصخصة العنف

شهدت افريقيا خلال العقد الأخير تحولاً نوعياً في شكل العنف المسلح، مع صعود الشركات العسكرية الخاصة مثل مجموعة فاغنر( wanger group)[v] التي لعبت أدواراً في نزاعات ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. هذه الظاهرة تكشف أن الدولة لم تعد وحدها الفاعل الأساسي في إدارة النزاعات، بل تشاركها شركات وأفراد مستقلون يقدمون خدمات قتالية وأمنية بمقابل مادي.

في الحالة السودانية على الرغم من عدم وجود شركة كبرى تدير العمليات مباشرة، إلا أن الفاعلين المسلحين المنخرطين في الحرب يشكلون شبكات مرنه تعمل وفق نفس المنطق الاقتصادي والتشغيلي للشركات العسكرية. هذه الشبكات غالباً ما تكون أقل وضوحاً وأكثر قدرة على التكيف مع القيود القانونية والرقابية، لكنها تحمل نفس مستوى التأثير على طبيعة الصراع واستقرار الدولة.

يمكن القول إن خصخصة العنف في السودان تشير إلى تحول أوسع في مفهوم الحرب والسيادة. لم تعد الدولة تحتكر استخدام القوة، بل أصبحت الحرب مسرحاً تتفاعل فيه مصالح محلية وعابرة للحدود، مرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي والأسواق الموازية. هذا التحول يجعل فهم الظاهرة القانونية والسياسية أكثر تعقيداً، ويطرح تحديات جديدة للسياسات الوطنية والإقليمية والدولية.

الحالة السودانية: هشاشة الدولة واقتصاد الحرب

  1. تآكل الاحتكار المركزي للعنف

يُعتبر احتكار الدولة للعنف أحد الأعمدة الأساسية للدولة الحديثة. من خلال هذا الاحتكار، تتمكن الدولة من تنظيم الأمن الداخلي، حماية سيادتها، وفرض القانون على جميع الفاعلين. يشير الانقسام العسكري الذي وقع في ابريل 2023م إلى تحول بنيوي في بنية الدولة السودانية، حيث لم يعد احتكار القوة المسلحة قائماً بوصفه وظيفة سيادية مستقرة، بل أصبح موضوع تنازع بين مراكز قوى متنافسة. وضمن هذا السياق، تحولت الموارد البشرية القتالية إلى عنصر ترجيح استراتيجي، لا بوصفها أداة عسكرية فحسب، بل كرافعة سياسية تعيد تشكيل موازين السلطة)[vi](.

هذا التشتت يعكس هشاشة الدولة، حيث لم تعد الحكومة المركزية قادرة على التحكم الكامل في الحدود، المنشآت الاستراتيجية أو حتى تدفق الموارد الأساسية مثل الأسلحة والذخائر. في هذا السياق، أصبحت القوة البشرية القتالية سلعة استراتيجية، تتحكم في موازين الصراع بقدر ما تتحكم فيه الموارد التقليدية. هذا الواقع يفتح المجال أمام المقاتلين الأجانب للانخراط في النزاع، ليس فقط كأدوات قتالية، بل كأصول اقتصادية تؤثر في شكل وطبيعة الصراع.

  1. شبكات الاقتصاد غير الرسمي

تعمل الحروب الحديثة في افريقيا على خلق اقتصادات موازية تغذى استمرار العنف. في السودان يُظهر النزاع الحالي كيف أصبح اقتصاد الحرب معولماً وعابراً للحدود، عبر شبكات تجارة الذهب، تهريب الوقود والسلع، وتجارة الأسلحة غير الرسمية. هذه الشبكات لا تقتصر على توفير الموارد، بل توفر الحوافز المالية للأفراد والفصائل المسلحة، بما في ذلك المقاتلين الأجانب)[vii](.

استخدام المرتزقة في هذه البيئة الاقتصادية لا يُنظر إليه باعتباره مجرد خيار عسكري، بل استثمار اقتصادي يضمن استمرار تدفق الموارد الحيوية للصراع. ويمكن قراءة توظيف المقاتلين الأجانب في هذا السياق بوصفه امتداداً لمنطق اقتصاد الحرب، حيث تتحول القوة القتالية إلى سلعة قابلة للتعاقد، وتُدرج ضمن حسابات الكلفة والعائد التي تحكم الفاعلين المسلحين في بيئة تتآكل فيها القيود المؤسسية.

  1. البُعد الجغرافي

تلعب الخصائص الجغرافية في السودان دوراً حاسماً في قابلية النزاع لاستقطاب عناصر أجنبية. السودان يمتد عبر حدود شاسعة مع سبع دول، بالإضافة إلى امتداده على الساحل المطل علي البحر الأحمر. هذا الامتداد الطويل يسهل حركة الأفراد والأسلحة، ويتيح ظهور شبكات تجنيد مستقلة عن الدولة، سواء عبر الحدود البرية أو عبر الممرات البحرية)[viii](.

بالإضافة إلى ذلك، يتيح هذا البُعد الجغرافي للفاعلين المحليين والدوليين التسلل إلى مناطق النزاع دون رقابة صارمة، ما يعزز من قدرة الاقتصاد غير الرسمي على التوسع. في هذا الإطار، يُصبح الاستقدام الخارجي للمقاتلين أداة لتكامل العمليات القتالية مع حركة الموارد واللوجستيات عبر الحدود، بما يضمن استمرار النزاع على نحو أكثر فاعلية.

  1. العولمة والاقتصاد

تشير التقارير الدولية إلى مشاركة مقاتلين من أمريكا اللاتينية، وخاصة من كولومبيا)[ix](، في النزاع السوداني. اللافت أن هؤلاء المقاتلين لا يتحركون بدوافع سياسية أو أيدولوجية مرتبطة بالسودان، بل بدافع اقتصادي محض، ما يعكس عولمة سوق المرتزقة. هذه الظاهرة تشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب: لم تعد النزاعات المحلية حكراً على الفاعليين المحليين، بل أصبحت جزءاً من نظام عالمي يتداخل فيه المال، الخبرة القتالية واللوجستيات عبر الحدود.

هذا الواقع يعكس شبكات معولمة لاقتصاد الحرب، حيث تتقاطع هشاشة الدولة المحلية مع فرص الربح الفردي أو الجماعي، ويصبح النزاع بيئة اقتصادية مفتوحة، قادرة على استيعاب فاعلين من مختلف القارات. في المقابل، هذا يجعل الحلول التقليدية للسلام وإعادة بناء الدولة أكثر صعوبة، إذ لا تقتصر المعادلة على وقف القتال الداخلي، بل تتعلق بتفكيك هذه الشبكات العابرة للحدود والحد من تدفق الموارد المرتبطة بالعنف. وهو ما يكشف عن تشكل سوق قتالي عابر للقارات، تحكمه اعتبارات العرض والطلب أكثر من الروابط الايدولوجية، بما يعكس اندماج النزاع المحلى في ديناميات عولمة العنف المنظم.

تداعيات الخصخصة والارتزاق على الأمن الوطني

  1. تراجع الحدود الفاصلة بين العنف الرسمي والمأجور

أحد أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب السودانية يتمثل في تآكل الخط الفاصل بين العنف الذي تمارسه الدولة والعنف الذي تمارسه جهات مأجورة أو غير نظامية. ففي النموذج التقليدي للدولة الحديثة، يُفترض أن تكون أدوات القوة – الجيش، الشرطة، الأجهزة الأمنية – خاضعة لسلسلة واضحة من المسؤوليات القانونية والسياسية. غير أن خصخصة العنف تُنتج واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الأدوار وتتشابك المصالح)[x](.

في هذا السياق، لا يعود من السهل التمييز بين من يقاتل باسم الدولة ومن يقاتل بعقد مالي أو ضمن شبكة غير رسمية. الأمر الذي أفضي إلى نشوء شبكات غير رسمية تتسم بمرونة تنظيمية عالية، قادرة على التحايل على القيود القانونية من خلال إعادة التموضع المستمر، والعمل عبر مساحات سيادية رخوة يصعب إخضاعها للرقابة المؤسسية. هذه المرونة تمنحها ميزة تكتيكية في الميدان، لكنها في الوقت نفسه تُضعف بنية الامن الوطني، لأنها تُدخل عنصراً غير قابل للضبط الكامل ضمن معادلة استخدام القوة)[xi](.

النتيجة هي ظهور” مناطق رمادية ” في المجال الأمني، حيث تتداخل المسؤوليات وتضعف المساءلة. وعندما تتراجع القدرة على تحديد من يتحمل المسؤولية عن الانتهاكات أو عن القرارات العسكرية، فإن ذلك يُقوض الإطار القانوني الذي يقوم عليه النظام السياسي نفسه)[xii](.

  1. إعادة تعريف السيادة في ظل خصخصة العنف

السيادة في معناها الكلاسيكي، ترتبط بقدرة الدولة علي ممارسة السلطة العليا داخل إقليمها دون تدخل خارجي. هنا يظهر تحدى خصخصة العُنف بوضوح، إذ تجعل القرارات العسكرية والسياسية محكومة بشبكات خارجية، ما يقلل من قدرة الدولة علي التحكم الكامل في مواردها واستراتيجياتها.

في الحالة السودانية، يتجلى هذا التحدي في تعدد مصادر القوة والدعم، سواء كانت مالية أو بشرية أو لوجستية. كلما زاد اعتماد الفاعلين المحليين غير وطنية، زاد التعقيد في إدارة النزاع وقل التحكم في تعريف المصالح الوطنية، وهو ما يعكس هشاشة الشرعية السياسية للدولة في سياق الحرب)[xiii](.

كما أن وجود شبكات مرتزقة عابره للحدود يفتح المجال أمام ضغوط سياسية واقتصادية غير مباشرة. فالمقاتل المأجور ليس مجرد عنصر عسكري، بل هو جزء من شبكة مصالح أوسع تشمل وسطاء تمويل وأسلحة وربما فاعلين إقليميين، ما يحول السيادة إلى وضع تفاوضي هش معرض للاختراق عبر قنوات غير تقليدية.

  1. الانعكاسات على الاستقرار الاجتماعي والنسيج المجتمعي

إلى جانب التداعيات المؤسسية، يحمل انتشار المرتزقة آثاراً اجتماعية عميقة. التجارب المقارنة في نزاعات افريقيا عدة تشير إلى أن المقاتلين الأجانب غالباً ما يكونوا أقل ارتباطاً بالبيئة الاجتماعية المحلية، وأقل حساسية للتوازنات القبلية أو المجتمعية. هذا يزيد من احتمالات الانتهاكات، ويعمق حالة الانعدام الأمني المجتمعي)[xiv](.

في السودان، حيث يعتمد التماسك الاجتماعي تاريخياً على شبكات محلية معقدة من التضامن القبلي والمناطقي، يؤدى وجود عناصر غير مندمجة في هذا السياق إلى تعميق مشاعر الخوف وانعدام الثقة. ويتضح هنا كيف أن استمرار النزوح الداخلي يعيد تشكيل البنية الديمغرافية ويضعف الروابط الاجتماعية التقليدية، ما يزيد هشاشة المجتمع أمام الصدمات المستقبلية)[xv](.

التداعيات الإقليمية والدولية: من أزمة داخلية إلى معضلة أمن إقليمي

  1. السودان داخل مجمع أمنى مضطرب

لا يمكن قراءة ظاهرة الارتزاق في السودان بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة به. فالسودان يقع في قلب تقاطع جغرافي حساس يربط القرن الافريقي بمنطقة الساحل والصحراء وبحوض البحر الأحمر. هذا الموقع يجعله جزءاً من مجمع أمنى إقليمي تتداخل فيه النزاعات والهشاشة البنيوية)[xvi](.

أي اختلال في الداخل السوداني سرعان ما يتجاوز حدوده. تدفق المقاتلين أو السلاح لا يبقي داخل الإقليم الوطني، بل يعيد تشكيل توازنات دقيقة في دول الجوار)[xvii](. الحدود الطويلة مع بعض دول الجوار تجعل من انتقال العناصر القتالية أمراً ممكناً بل ومغرياً اقتصادياً. ومع وجود اقتصاد حرب نشط، تتحول الحدود إلى مساحات عبور مرنه أكثر من انها خطوط فصل سيادي.

بهذا المعنى، لا يصبح الارتزاق مجرد ظاهرة داخلية، بل جزءاً من دورة أمنية إقليمية، حيث تتغذى النزاعات على بعضها البعض عبر شبكات التهريب والتجنيد وتبادل الخبرات القتالية

  1. البحر الأحمر والممرات الاستراتيجية

يمتد الأثر إلى ما هو أبعد من الجوار المباشر. فالسودان يطل على أحد اهم الممرات البحرية في العالم، وهو البحر الأحمر، الذي يربط التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا)[xviii](. وهذا يجعل أي اضطراب داخل السودان لا يقتصر تأثيره علي الدولة نفسها، بل يمتد ليشمل استقرار الممرات البحرية وأمن حركة التجارة الدولية.

وجود شبكات مقاتلين أجانب أو شركات أمنية غير رسمية في بيئة تطل على هذا الممر البحري يثير مخاوف تتجاوز الإطار الوطني)[xix](. فالتداخل بين الاقتصاد غير الرسمي، والأسلحة، والموانئ لا يشكل تهديداً محلياً فحسب، بل يعيد تشكيل توازن القوى الإقليمية ويخلق فرصاً جديدة لتدخل أطراف خارجية لتحقيق مصالح استراتيجية.

هنا يصبح النزاع السوداني جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بأمن الطاقة والتجارة العالمية، وليس فقط صراعاً على السلطة داخل دولة واحدة. ومن منظور أمنى استراتيجي، يبرز السودان كنقطة محورية في شبكة المخاطر العابرة للحدود، ما يجعل معالجة النزاع أمراً ذا بعد إقليمي ودولي لا يمكن إغفاله.

  1. تدويل النزاع وتحول السودان إلى ساحة تنافس

خصخصة العنف تسهل أيضاً عملية ” تدويل ” النزاع) [xx](. فعندما تدخل شبكات مالية ولوجستية عابرة للحدود على خط الصراع، يصبح من السهل على فاعلين إقليميين أو دوليين التأثير بصورة غير مباشرة، عب التمويل أو التدريب أو تسهيل الحركة.

هذا النمط لا يعنى بالضرورة وجود تدخل عسكري مباشر، بل يكفي أحياناً وجود وسطاء وشركات أو أفراد يعملون في الظل)[xxi](. ومع الوقت، قد يتحول النزاع إلى ساحة تنافس غير معلن، تتقاطع فيه مصالح اقتصادية واستراتيجية متعددة.

الخطورة هنا تكمن في أن أي تسوية سياسية داخلية تصبح رهينة لتوازنات خارجية. فإذا كانت بعض أطراف النزاع تعتمد على موارد أو عناصر بشرية مصدرها خارج الحدود، فإن قرار إنهاء الحرب لا يعود قراراً وطنياً خالصاً.

  1. التأثير على منظومات الأمن الافريقي

ظاهرة الارتزاق المعاصر تضع كذلك ضغوطاً على منظومة الأمن الجماعي الافريقي)[xxii](. فالاتحاد الافريقي والايقاد يقومان نظرياً على مبدأ السماح بتقويض الدولة الوطنية عبر قوى مسلحة غير نظامية.

لكن انتشار المرتزقة وشبكات العنف المخصخص يطرح سؤالاً صعباً: كيف لمنظومة إقليمية أن تضبط ظاهرة عابرة للقارات، يتحرك أفرادها بدوافع اقتصادية، وينتقلون عبر أكثر من دولة؟ إن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تنسيقاً قانونياً وأمنياً يتجاوز البيانات السياسية، ويصل إلى مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية وضبط التدفقات المالية. إذ لم يتم احتواء الظاهرة، فقد تصبح نموذجاً يتكرر في أزمات أخرى، ما يهدد بتكريس نمط جديد من النزاعات الافريقية قائم على سوق عابر والعنف المأجور.

الخاتمة

تكشف دراسة الارتزاق المعاصر في الحالة السودانية عن تحول عميق في طبيعة العنف السياسي في افريقيا. فالمسألة لم تعد تتعلق بوجود مقاتلين أجانب بالمعنى التقليدي، بل باندماج السودان في شبكة أوسع من اقتصاد الحرب المعولم، حيث تتقاطع هشاشة الدولة مع ديناميات السوق غير الرسمي، وتتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحوافز المالية العابرة للحدود.

يُظهر التحليل أن تآكل احتكار الدولة للعنف منذ ابريل 2023م لم يكن مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل أصبح مدخلاً لإعادة تشكيل بنية القوة داخل الدولة. ومع توسع شبكات التجنيد والتمويل، تراجعت الحدود الفاصلة بين العنف الرسمي والعنف المأجور، وأصبحت السيادة أكثر عرضة للتآكل عبر قنوات غير تقليدية. في هذا السياق، لم يعد القرار العسكري أو الأمني محصوراً بالكامل داخل الإطار الوطني، بل بات متأثراً بشبكات مصالح تتجاوز الحدود.

تتجاوز التداعيات المستوى الداخلي. إذا يتحول السودان بحكم موقعة الجغرافي في قلب القرن الافريقي وعلى ضفاف البحر الأحمر، يتحول سريعاً من ساحة صراع داخلي إلى عقدة في شبكة أمن إقليمي مضطرب. إن استمرار الارتزاق وخصخصة العنف يعيد انتاج عدم الاستقرار في بيئة إقليمية هشة أصلاً، ويجعل أي تسوية داخلية معرضة للتأثر بتوازنات خارجية. ومن ثم، فإن معالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تُختزل في ترتيبات سياسية محلية، بل تتطلب فهماً أوسع للبنية الاقتصادية والأمنية التي تسمح بتدفق العنف عبر الحدود.

بهذا المعنى، تمثل الحالة السودانية نموذجاً لفهم التحولات المعاصرة في النزاعات الإفريقية: من نزاعات تدور داخل حدود الدولة، إلى صراعات مفتوحة على شبكات عابرة للقارات، تُباع فيها القوة وتُشتري، وتُدار بمنطق السوق بقدر ما تُدار بمنطق السياسة.

التوصيات:

أولاً: المستوى الوطني – السودان

  1. إعادة النظر في احتكار الدولة للعنف: إعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان تمركز السلطة العسكرية في مؤسسات الدولة، مع تقليص تأثير شبكات المرتزقة على موازين القوة.
  2. معالجة الاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالحرب: الحد من تداول الموارد غير المشروعة مثل الذهب والتهريب، بما يقلل من جاذبية الحرب كخيار اقتصادي ويحد من قدرة شبكات المرتزقة على التمويل.
  3. تعزيز الحوكمة المحلية: بناء مؤسسات رقابية فعالة ومستقلة لضمان احترام القانون وحقوق الانسان في مناطق النزاع، مع التركيز على تقوية النسيج الاجتماعي المتضرر.

ثانيا: المستوى الإقليمي – القرن الافريقي ومنطقة البحر الأحمر

  1. تعزيز التعاون الأمني الإقليمي: تطوير آليات مشتركة لمراقبة حركة المقاتلين والأسلحة عبر الحدود، بما يحد من قابلية النزاعات للانتشار الإقليمي.
  2. إطار لحل النزاعات العابرة للحدود: إنشاء منصات تنسيق إقليمي لمتابعة تداعيات استخدام المرتزقة، وتشجيع الوساطات الإقليمية التي تضمن تفكيك شبكات العنف العابرة للحدود.
  3. مراقبة شبكات التمويل العابرة للحدود: تعزيز الرقابة على الأنشطة المالية العابرة للحدود التي تغذى اقتصاد الحرب، بما يقلل من جاذبية سوق المرتزقة الإقليمي.

ثالثاً: المستوى الدولي

  1. تطوير أطر قانونية لمعالجة خصخصة العنف: تحديث المعاهدات الدولية والاتفاقيات الخاصة بالمرتزقة لتشمل الشبكات العابرة للقارات، بما يعكس التحولات الحديثة في طبيعة النزاعات المسلحة.
  2. تعزيز الشفافية المالية والدولية: مراقبة حركة الأموال والأسلحة التي تمول المرتزقة عبر الأسواق الدولية، وربط التمويل غير المشروع بالعقوبات الدولية.
  3. دعم البحوث والسياسات الوقائية: تشجيع الدراسات الاكاديمية والسياسات الدولية التي تبحث في خصائص الارتزاق العصري، لتقديم استراتيجيات وقائية وتقليل تأثيره على الأمن الإقليمي والدولي.

 

[i]– اللجنة الدولية للصليب الأحمر، البرتوكول الإضافي الأمل لاتفاقيات جنيف، سويسرا، 1977م، ص 112،

www.ihl.databases.icrc.org/en

[ii] – Singer P.W, Corporate Warriors: The Rise of the Privatized Military Industry, Cornell University Press, USA, 2008, P 45.  www.cornellpress.cornell.edu

[iii] – Collier P, The Bottom Billion: Why the Poorest Countries are failing and what can be done about It, Oxford University Press, UK, 2007, p 56. www.global.oup.com

[iv] – Buzan B & Waever O, Regions and Powers, Cambridge University, UK, 2003, p 35. www.cambridge.org

[v]– Avant D. The Market for Force: The Consequences of Privatizing Security, Cambridge University Press, UK, 2005, p 90. www.cambridge.org

[vi] – Mindy Ann Yartasi, Sudan’s Civil War Explodes Into Int’I Scramble for Riches- Power, Agency France press AFP, 21 Nov 2025, www.dialysabah.com

[vii] – Darfur 24, Smuggled Gold Fuels Sudan’s War Economy- Report Says, 27 September, 2025, www.darfur24.com

[viii] – Mindy Ann Yartasi, lbid.

[ix] Treasury Sactions Transnational Network Recruiting Colombians to Fight in Sudan’s Civil War, Washington, 9 December 2025, www.home.treasury.gov

[x] – هكذا نُقل مرتزقة كولومبيون للقتال مع الدعم السريع في السودان ، موقع العربي الجديد،  www.alaraby.co.uk

[xi]– موقع عاين، حرب مأجورة… كيف حول المرتزقة نزاع السودان إلى مأساة؟ ، 17 ديسمبر 2025،  www.3ayin.com

[xii]– مكتب الأمم المتحدة في جنيف، بعثة تقصى الحقائق: جرائم حرب تُرتكب علي نطاق واسع في السودان، 5 سبتمبر 2025،  www.ungeneva.org

[xiii]– رئيس الوزراء السوداني: بلادنا تتعرض لهجوم من مرتزقة وهذا يهدد القرن الافريقي،  14 فبراير 2026، موقع بوابة الاهرام، www.gate.ahram.org.eg

[xiv] – هكذا نُقل مرتزقة كولومبيون للقتال مع الدعم السريع في السودان ، مركز سبق ذكره.

[xv] – كيف تؤثر الحرب في السودان علي دول الجوار؟، 12 ابريل 2025، موقع مكتب الأمم المتحدة في جنيف، www.ungeneva.org

[xvi] – نفس المرجع.

[xvii]– Sudan’s Crisis and The Implications for Its Neighbors, Aljazeera English, www.studies.aljazeera.net/en

[xviii]– كاميرون هدسون ووليام كار، تنافس البحر الأحمر تُهدد بتفكيك القرن الافريقي، الموقع الإلكتروني لشبكة راية الإعلامية، www.raya.ps

[xix]– شهد حسام الدين، تداعيات الحرب الأوكرانية علي البحر الأحمر في إعادة توزيع النفوذ الدولي والقة الإقليمية، موقع الإلكتروني السياسة الدولية، www.siyassa.org.eg

[xx] -السودان… ما هي الدول ال 4 المتهمة بالتدخل بصراعه الدموي وفقاً لمزاعم مراقبين؟ … اليكم ماذا نعمل، الموقع الإلكتروني لشبكة سي ان ان بالعربي، www.arabic.cnn.com

[xxi]– السودان… صراع داخلي في مرمى المصالح الدولية والأسلحة الغربية، الموقع الإلكتروني لمركز المستقبل للدارسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر، www.fcssr.com

[xxii]– لقاء في القاهرة يحذر من مخططات لتقسيم السودان، موقع الجزيرة نت،  www.Aljazeera.net

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى